الشيخ محمد رشيد رضا

293

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وانه لم يعرف عنه انه كان يبحث في شيء من العلوم ، ولا انه نطق بشيء من مسائلها . والعلم بأنه انما جاء بها في هذا القرآن بعد استكمال سن الأربعين - وهي سن لم يعرف في استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا في تاريخهم ان صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء منه في أنف عمره ، وآنفة شبابه وشرخه ، راجع هذا كله وتأمله جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا كله فوق استعداد بشر أمي أو متعلم وانه وحي من اللّه تعالى فإذا فرضنا انه يحتمل أن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو غيرهم ممن لقي في أسفاره القليلة ، أو انه فكر في حاجة البشر إلى مثلها مما أدركه بذكائه الفطري من سوء حالهم ، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة ، وهذه الخطرات الواردة ، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها ، وان تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب الظهور إلى أن تظهر في سن الكهولة ، بهذه الروعة من البيان ، وسلطان البلاغة على القلوب ، وقوة البرهان في العقول ، فتحدث هذه الثورة في الأمة العربية المغيرة لطباعها ، المبدلة لأوضاعها ، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها ، ويتلو ذلك ما قصه التاريخ من الانقلاب في العالم كله ؟ وأعجب من هذا كله ان يظهر في هذا العصر ان أمم العلم والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم ؟ كلا ان هذا لم يعرف مثله في البشر وإذ قد ثبت هذا فالواجب على كل من بلغه من البشر ان يتبعه ويهتدي به لتكميل انسانيته واعدادها لسعادة الدنيا والآخرة . فان اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها ، فما . كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته في حفظ صحته أو مداواة مرضه لشبهة في بعض مسائله أو خيبة الأطباء في بعض معالجاتهم للمرضى وان حاجة البشر إلى طب الأرواح والاجتماع ، لأشد من حاجتهم إلى طب الأبدان قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( الانعام 6 : 149 ) « رضيت باللّه ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم نبيا ورسولا » ( ونعود إلى نسق التفسير باسم اللّه وحمده )